تحرير المرأة
كلمة حق أريد بها باطل، أن المرأة في البلاد الإسلامية عموما، وفي البلاد العربية خصوصاً مستعبدة أعظم استعباد، وأذكر هنا بعض أنواع هذا الاستعباد.
(1) استعباد الوالدين والإخوة والأولياء في التزويج من العادات المعمول بها في أكثر البلدان الإسلامية والعربية، أن المرأة – صغيرة كانت أم كبيرة – لا تملك نفسها، ولا يسأل عن رأيها عند التزوج، بل يملك ذلك وليها، فيزوجها، وهي كارهة مقهورة باكية شاكية إلى الله وحده، وأما الناس فلا تستطيع أن تشكو إليهم، وزاد في الطين بلة، وفي الطنبور غنة، أن بعض المذاهب الدينية، نسبت هذا الإجبار والظلم الصراح إلى الشريعة الإسلامية، وهذا باطل.
فعن جابر أن رجلا زوج ابنته، وهي بكر من غير أمرها فأتت النبي ﷺ، ففرق بينهما رواه النسائي وصححه ابن القيم، وفي الباب أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما.
(2) أن الصداق الذي جعله الله هدية تكرم بها المرأة صار أولياؤها من يستولون عليه ويأكلونه ظلماً وعدواناً، حتى أصبحت المرأة سلعة تباع بالمزاد العلني بدون اختيارها، فمن كثر ماله فهو أحق بها، وإن كانت كارهة، فانقلبت هذه الحسنة سيئة بسوء تصرف الناس وتحريفهم للشرع.
(3) التغالي في المهور والتباهي بذلك، فما أكثر من حرم من الزواج من الرجال والنساء بسبب هذه البدعة المضلة، وفي صحيح البخاري أن رجلا خطب امرأة أمام النبي ﷺ فقال له: التمس شئياً، ولو خاتماً من حديد، فلم يجد شئياً فزوجه النبي ﷺ تلك المرأة، على أن يعلمها عشر آيات من القرآن. ورواية البخاري، قد أملكناكها بما معك من القرآن.
(4) استعباد ابن العم، وهو من الجاهلية الأخيرة، فقد شاع عند قبائل العرب شرقا وغرباً أن كل فتاة لها ابن عم، فهو أحق بها، أحبت أم كرهت، فإن لم يردها، باعها من غيره أو تنازل عنها له، وهذا من المخازي.
(5) استعباد الأخ أخته بحرمانها من ميراث أبيها وهو شائع شرقا وغرباً.
(6) استعباد الأب بناته بالوقف الذري على الذكور دون الإناث وهو حرام بنص النبي ﷺ: “اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم” الحديث.
(7) استعباد الرجل لزوجه، وإنزال نفسه منها بمنزلة المربي القاسي من الصبي الصغير، فيبيح لنفسه أن يخاصمها على أتفه الأمور مما يزعم أنه ذنب، وإن لم يكن في الحقيقة ذنباً وهبه ذنباً، فمن هو المعصوم من الذنوب والأخطاء وما أحسن قول الشاعر:
إذا كنت في كل الأمور معاتبا *** صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحداً أوصل أخاك فإنه *** مقارف ذنب مرة ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى *** ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها *** كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
وكثير منهم لا يكتفى بالخصام، بل يلجأ إلى الشتم والسب القذر وكثير منهم يضربون نساءهم كما يضربون الجمال والحمير، وقد قال النبي ﷺ: “لا يضربهن إلا شراركم”، وقال النبي ﷺ: “خيركم خيركم لأهله. وأنا خيركم لأهلي”، وقال الحماسي:
رأيت رجالا يضربون نساءهم *** فشلت يميني حين أضرب زينا
وكثير من الرجال لا يسمحون لنسائهم بالتصرف في أموالهن، بل يستحوذون عليها ولا يمكنونهن من شيء.
(8) استعباد عوام الناس للنساء عامة!
يرى كثير من عوام الناس أن المرأة نجسة، فإذا ذكرها يقول (حاشاك) كما لو ذكر شيئاً من النجاسات، وهذه غاية الجهل والضلال. والنساء شقائق الرجال أو نصفهم، كما يقول الأوربيون، فكيف يكون نصف الشيء نجساً والنصف الآخر طاهراً؟ فهذه الأنواع من الاستعباد مخالفة للدين والمروءة، تجب محاربتها شرعا وعقلا. أما تحريض النساء على كشف أجسامهن أمام الرجال، والتساهل في أعراضهن، والتبرج والإغراء، والتزوج بطريقة تنافي الشرع وتنافي الكرامة، والاختلاط المريب، والخلوة بالأجنبي، ومراقصته، والسكر معه وما إلى ذلك مما يوقع الفتيات في شراك الهلكات، فبالله كم من فتيات انتحرن بعد ما وجدن أنفسهن قد فقدن أعز شيء لديهن، وكم بيوتات شريفات جللت بالعار من فقد سمعتها، وكم أطفال أبرياء أزهقت أرواحهم فذهبوا يشتكون إلى الله ظلم أدعياء تحرير المرأة، أو التقطوا فعاشوا طول أعمارهم لا يعرفون آباء ولا أمهات ولا أقارب ولا عشيرة، يدعون الله على من سبب لهم ذلك الشقاء، ويستنزلون لعنته على أدعياء التحرير الذين سببوا لهم ذلك الشقاء المر.
وكذلك تحريضهن على خوض معارك الانتخاب، وهجر البيت، وتسميته سجنا، وإهمال الأولاد وتعمير الحانات والكبريات، فهذا ليس بتحرير وإنما هو استعباد وتغرير وخيانة وإفساد، وكل من يفعله فهو عدو للنساء وخائن لهن ولسائر أفراد شعبه من الآباء والأزواج والإخوة والأولاد.
وما أحسن ما قاله الأستاذ مارماديوك بكتال في كتابه (المرأة المسلمة) وفي مجلته (إسلامك كلتشر): إن الإسلام والمسلمين يكرمون المرأة من حيث هى امرأة، فكل ما كانت أضعف كانت إلى التكريم أحوج ولذلك حث النبي الله على إكرام الأرملة، وجعلها كاليتيم والمسكين في استحقاق الإكرام والتفقد، وكذلك العجوز الضعيفة والشابة الدميمة التي تنبو عنها الأنظار.
الدكتور تقي الدين الهلالي
مجلة البعث الإسلامي: العدد 8 المجلد 10، محرم 1386هـ – ماي 1966م – ص 43.


