بقلم الشيخ أحمد بن محمد الحمزاوي (*)

‏"‏ضمني وإخوة أجلاء مجلس مبارك تجاذبنا فيه أطراف الحديث، فجرى ذكر مجدد الدعوة السلفية في المغرب وناصرها، ومحيي معالم السنة بعد اندثارها، وقامع البدع والخرافات وقاهرها، لسان أهل السنة وخطيبهم، وكاتب أصحاب الحديث وشاعرهم، الإمام العلامة الشيخ الدكتور محمد تقي الدين الهلالي تغمده الله بواسع رحمته.

فأخبرني بعض الحاضرين أن شخصا من المغرب يشيع بين المشايخ وطلبة العلم، أن العلامة الهلالي رحمه الله كان معجبا بالمدنية الغربية وأصحابها، ومتأثرا بالحضارة الأوروبية وأفكارها، فتملكني العجب، لا من سوء الفرية، وقبح البهتان، فمثل الشيخ العلامة في جهاده، وإصلاحه، ودعوته، وذبه عن عقيدة السلف وأهلها، وذوده عن حياض السنة وآلها، وانبرائه لصد ما يخالف شرع الله تعالى بلسان سحبان فصاحة وبيانا، وقلم ابن قتيبة سلاسة وبرهانا، وشعر حسان جزالة وإتقانا، عرضة لأن ينفس المبتدعون والخرافيون والصوفيون والقبوريون عن غيظهم بالطعن فيه بعد موته والحي قد يغلب ألف ميت أما في حياته، فقد أسكت والله أصواتهم، وألجم ألسنتهم، وكمم أفواههم، وقلم أظفار أقلامهم، لكن سبب عجبي أن مختلق الإفك، ومشيع الكذب من المنتسبين إلى منهج أهل السنة والجماعة الذي أحياه الشيخ الهلالي، وذاد عنه قرابة ثمانين عاما في مشارق الأرض ومغاربها، ويبلغ العجب منتهاه، والاستغراب مداه، أن الذي تولى كبر هذه الفرية، وباء بإثم نشرها، ممن طوق العلامة الهلالي أعناقهم بمعروفه، وغمرهم بإحسانه، فهو الذي أرشده إلى طريق العلم، ويسر له سبل المعرفة، فكان كما قيل: (أحشك وتروثني).

أعلمه الرماية كــــــل يوم  ***  فلما اشتد ساعده رمانــي
وكــــم علمته نظم القوافي  ***  فلما قال قافية هجانـــــــي

مع أن النفوس السوية، والفطر السليمة تأبى أن تقابل المعروف إلا بالمكافأة والشكران، وأن تجزي الإحسان إلا بالإحسان، قال تعالى: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان}، وروى الترمذي وصححه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" وفي لفظ لأحمد وأبي داود وابن حبان: "لا يشكر الله من لا يشكر الناس".

وقد استند هذا الرجل في دعواه وافتئاته على أمرين:

أولهما: أن الشيخ العلامة الهلالي درس في أوروبا، ونال شهادته منها،
الثاني: أنه رحمه الله كان يذكر في دروسه، وكتاباته ما رآه من تمسك بعض الأوروبيين بجملة من محمود الصفات، وتحليهم ببعض الأخلاق الحسنة كترك الفضول، وحسن الإنصات للمناقش، والمحافظة على المواعيد، والحرص على عدم إضاعة الأوقات، والجد في العلوم الدنيوية، مما أوصلهم إلى ما هم فيه من التقدم المادي الدنيوي، حتى أصبح المسلمون يحتاجون إلى صناعاتهم من الإبرة إلى الطائرة.

ودونك أخي الكريم حقيقة الأمر وجلية المسألة، لتعلم ما في كلام الرجل من التدليس والتلبيس.

أولاً: أن الشيخ رحمه الله بين بنفسه سبب سفره إلى أوروبا، وعلة سعيه في الحصول على الشهادة، فقال: "وإنما سافرت إلى أوروبا بعد سن الأربعين، للحصول على شهادة جامعية تمكنني من الدخول إلى الجامعات في البلاد الآسيوية والإفريقية، لنشر الدعوة بين المعلمين والمتعلمين، لأن الآسيويين والأفريقيين قد غلوا في تعظيم الشهادات العالية، وأصحابها، حتى صارت عندهم كل شيء، فمن حصل عليها صار حديثه مقبولا، وصار في نظرهم عالما، ولو كان أجهل من حمار أهله" (صيانة العرض ص 33).

وهذا الكلام من وضوح المغزى ونبل المقصد بحيث لا يحتاج إلى تعليق وقد صرح في موضع آخر بأن الإقامة في أوروبا إنما تكون للضرورة فقد كاتبه الأستاذ عبد اللطيف أبو السمح فكان مما قاله: "واسأله تعالى أن يجمعنا بكم في أوروبا كما جمعنا في إفريقيا ثم آسيا"، فأجابه العلامة الهلالي من قلب أوروبا قائلا:
"وما رجوته من الاجتماع هو بغيتي وسؤالي إلا أنني أخالفك في موضعه فأتمنى أن يكون في مصر في خير وسلامة فهي أحب إلي من أوروبة ولا أظن أن العاقل يستحب الإقامة في أوروبة إلا للضرورة وبقدرها"، إلى أن قال:
"ولا أنكر أن هنا في أوروبة علوما نافعة لأهل الشرق، ولا أجحد أن بعض من يرحل إلى أوروبة من الطلبة فيهم شهامة ونجابة، والذي أنكره هو أنه ليس كل الطلبة الآتين هذه الديار لطلب العلم هم في الحقيقة طلاب علم، وأنهم يرجعون إلى الشرق بما ينفع أوطانهم، أو على الأقل لا يضرها، ومنذ جئت إلى أوروبة، وخبرت أحوال طلبة العلم أسفت أسفا شديدا، إذ لم يكن لي حول ولا قوة لإصلاح الحال، فإن قلت: وماذا تصنع لو كان لك حول وقوة؟ فالجواب: لو كان لي مثلا مال فاضل وهو أحد أنواع الحول لما اقتصرت في النصيحة على تصديع القراء بمثل هذه المقالات الفارغة، بل أجبت بالعمل، وذلك أني أرجع إلى الشرق، وألقي بصري على طلبة العلم، ومتى رأيت منهم من جزمت لي فراستي وأظنها قلما تخطئ في هذا الباب دعوته واختبرته، وعرفت العلم الذي هو متأهل له، فقلت له: تهيأ للسفر وجهزته وبعثته، فإذا أتم دراسته ورجع يعمل عملا حرا أو حكوميا مضاداً أشد المضادة لما يعمل المزورون الملبسون، فإذا رأى الشعب والحكومة الفرق بينه وبين أولئك المحتالين، عرفوا الحقيقة، واحتاطوا في إرسال الطلبة، وتدرجوا في إصلاح هذا الباب إلى أن يصلوا إلى الصواب، وهو إرسال الطلبة حسبما تقتضيه حاجة البلاد، لا حسب شهوة المرسََََََََلين أو المرسِلين" (انظر مجلة الفتح العدد 811 ص 13).

فتأمل أخي الكريم هذه الجواهر واللآلىء بعين الإنصاف، وزنها بميزان العقل، تجد أن الشيخ العلامة قد طبق المفصل، وأصاب كبد الحقيقة، وان ذلك لا يصدر إلا من أصيل الرأي، ثاقب النظر، سديد الرأي لا عن مقلد للغرب متأثر به، كما يزعم ذلك الرجل وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فما على الحكومات العربية والإسلامية إلا أن تبحث في سبل تطبيق هذه النظرية العلمية العظيمة، وآلات تحقيقها.

فهذا الحق ليس به خفاء  ***  فدع عني بنيات الطريق

ويقول رحمه الله وهو في ألمانيا: "وأنا من أهم الأمور التي دعتني للإقامة في أوروبة إبطال دعاوى المتفرنجين، وفضح أحوالهم، وهتك أستارهم، وإتيان بيوتهم التي هي أوهى من بيت العنكبوت من القواعد: {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}" (حرر في بن جرمانية: 25 رجب 1357ه).

لم أعرف عن أحد من الشدة والغلظة والإنكار على المتفرنجين والعلمانيين مثل ما عرفته عن الشيخ الهلالي رحمه الله وفي قوله السابق ما ينبئ عن شيء قليل من ذلك، فهل يقول بعد ذلك عاقل يعي ما يقول: إن الشيخ متأثر بالغربيين؟؟

ثانياً : ما شغب به صاحبنا من كون الشيخ العلامة كان يمثل ببعض الأوروبيين في تمسكهم بجملة من محمود الأخلاق كما أسلفنا، فهذا الرجل إما أن يكون قد أتى من فهم سقيم وفكر مريض فالتبس عليه الأمر كما قيل:

وكم من عائب قولاً صحيحاً  ***  وآفته من الفهم السقيــــــم

وهذا أمر بعيد الاحتمال، وإما أن يكون قد بلغ به الحقد إلى حد محاولة إخفاء شمس الحقيقة، واختلاق الأكاذيب، كما قيل:

إن يعلموا الخير أخفوه وإن علموا ***  شرا أذاعوا وإن لم يعلموا كذبوا

وإلا فإن كل من جالس الشيخ العلامة رحمه الله أو أخذ عنه، أو استمع إليه، أو قرأ له يعلم يقينا أن الشيخ كان من أشد الناس إنكارا على من يخل بمكارم الأخلاق، أو يتهاون في التمسك بآداب الإسلام، وكان يقول: "إن من أسباب تخلف المسلمين تركهم لتلك الأخلاق والآداب، ويدلل على ذلك بأن الأوروبيين والغربيين ما وصلوا إلى ما وصلوا إليه من العلوم الدنيوية، إلا بأخذهم بجزء مما جاء به الإسلام، وحث عليه من الجد في العمل، وعدم إضاعة الوقت، وغير ذلك".

قال رحمه الله في مقال له بعنوان: (كيف كانت عقولهم) نشر في الفتح العدد 281 ص9: "لئن خسر الأوروبيون في غزوات فلسطين فقد ربحوا ربحا عظيما، ونالوا ما هو خير لهم في ذلك الزمان من فتح مصر والشام والعراق، كانت صفقتهم رابحة وصفقتنا خاسرة، ذلك بأنه وقعت بيننا وبينهم مبادلة علمية خلقية، إذ أخذوا منا جانبا من العلم والأخلاق التي كان بها سعودنا وصعودنا، وأخذنا منهم قسطا وافرا من الجهل والأخلاق التي كانت سبب شقائهم وهبوطهم". ويقول في آخر المقال: "فمن أين يا ترى جاءتنا هذه العقيدة، عقيدة المحاربة بالقوى الخفية؟ لا شك أنها بضاعة أوروبية من بضائع أولئك القسيسين الذين قدموا الصبيان الفرنسيين لحتفهم، وكيف تبدلت عقول الأوروبيين، وانتقلت من تلك الدركة السفلى، فارتفعت إلى ما هي عليه الآن من معرفة سنن الكون، وربط الأسباب بالمسببات ليس إلا، من تلك الحروب الصليبية التي أفهمت الأوروبيين جهلهم وانحطاطهم، فبادروا إلى درس العلوم المحمدية، والحضارة العربية، وثابروا على ذلك إلى أن بلغوا ما بلغوا، ومن سلك الجدد أمن العثار".

فانظر رحمك الله إلى عظيم قدر الأخلاق، وكبير منزلة العلوم المحمدية عند العلامة المفكر رحمه الله فقد جعل ما ظفر به الصليبيون من علوم المسلمين وأخلاقهم نصرا حقيقيا وإن انهزموا في ميادين الحرب لأنه كان السبب في نهضتهم وقوتهم المادية، كما جعل ما تلقفه المسلمون من جهل الأوروبيين ومساوئ أخلاقهم انهزاما حقيقيا وإن انتصروا في المعارك لأنه كان سبب انحطاطهم وتخلفهم.

وقوله رحمه الله : "وربط الأسباب بالمسببات ليس إلا" بيان لما أخذه الأوروبيون من الأخذ بالأسباب، أما التوكل على الله مسبب الأسباب، فهذا جانب عقدي لم يأخذه الأوروبيون، فلم يذكره، وذلك بيّن واضح.

ثم بعد هذا، أيقال في حق مثل هذا الإمام العلامة، وهو الداعية الصادع بالحق المعلن أن ما أصاب المسلمين من ضعف ووهن، سببه ترك تعاليم دينهم وأخلاق شريعتهم إلى خزعبلات الأوروبيين وخرافاتهم: إنه متأثر بالفكر الغربي والحضارة الأوروبية؟! سبحانك ربي هذا بهتان عظيم!!

وما انتفاع أخي الدنيا بناظره  ***  إذا استوت عنده الأنوار والظلم

وقد وقفتك أخي المنصف على نزر ضئيل من فكر الشيخ الإمام في تنظير التعامل مع الغرب، وانبلج الصبح لذي عينين، وعسى الله أن ييسر لنا إتمام هذا الموضوع وغيره بأوسع من هذا.

---------------
(*) من تلاميذ الشيخ محمد تقي الدين الهلالي